الجنيد البغدادي
165
رسائل الجنيد
العقوبة ولبستهم الذلة ورجعوا بخضوع المذلة ولم يزالوا كذلك في نصب الغدو والرواح وذلك بسبب الهلكة والاجتياح حتى وصلوا إلى الذين قصدوا ونسوا الإله الذي عبدوا وأوردتهم الغفلة والنسيان موارد الأموات وغمرتهم كثرة العلل والآفات واتصلت بأبصارهم وقلوبهم فتنة ما أعد أبناء الدنيا لأنفسهم وآثروه على أمور آخرتهم من بهجة رونقها ونضرة زينتها ولوعة زهرتها ، واعلم أيها الباحث عن واجب العلم وشرفه وطالب المصافاة « 1 » بخالص العلم « 2 » والأعمال لسيده ، أن إقدام القوم عن مناهج الحقيقة انحرفت وأن قلوبهم على صحيح الإرادات ما استوت وأنهم مالوا بخفي ما في النفوس على جميل ما أظهروه وإلى محبة علم الخلق به وتعظيمهم عليه وإجلالهم من أجله وأحبوا اجتماع الخلق عليهم وإشارتهم إليهم حتى تصوب آراءهم . وتصدق أقوالهم وتكبر غايتهم ويتصل الثناء عليهم « 3 » وأن قصر عن شيء من ذلك عنهم كرهوا وإن لم يقع لهم ما يحبون غضبوا ولا تسل عن فرط الغضب منهم والرضا والتعتب منهم على من خالف مواقع الهوى وصفهم بكل ما هم فيه يطول به الشرح ويطول به الكلام وقد شرحت لك من وصفهم ما انبسط به لساني وأجري لك من نعتي وبياني وفي ذلك كفاية . فالبس الآن أنت « 4 » جلابيب الحذر وتدرع بأدرع الخوف وخذ على نفسك جنة التقوى وقم للّه تعالى على نفسك بدوام الرعاية ودوام التفتيش وشدة المحاسبة وجودة التحصيل وصدق البحث وصل سرك مع ذلك بدوام الذكر وقوى الفكر فكن ممن جاهد في اللّه عز وجل حق جهاده ، وممن أثنى اللّه تعالى عليه من صالحي عباده ، مع ما يقع لك من الوعد الجميل والثواب الجزيل ، قال اللّه عز وجل : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [ النساء : 66 ] فهاتان آيتان موجبتان لمنالات الخير ووقوع الهداية والرشد فخذ بحظك الأوفر
--> ( 1 ) في ط : والطالب بالمصافاة . ( 2 ) في ط : الأعمال . ( 3 ) في ط : لهم . ( 4 ) ليست في خ .